المقامة البشارية

 

المَقامَةُ البَشّارِيّة.



مقامات بديع الزمان الهمذاني ، أول كتاب ألف في فن المقامات.. ولكن عاث بها النساخ، كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده (بما أفسد المبنى وغيّر المعنى، مع زيادات تضّر بالأصول، وتذهب بالذهن عن المعقول..) وإن كان بديع الزمان، قد أسقط المقامة (الشامية) لسبب ما، فأنا جئت بها لأكمل المقامات.
حدثّنا أحدُ أبناء المغرب الأقصى، قال: كنْتُ أمْتطِي بِساطَ الرّيح في جَوْلةٍ لأستَريحْ، ومرَرْت على دِمشَق الخَضْراء، وإذا هِي حَصيدٌ سَوداءْ، قُلتُ: مَن أَحْرق تلك الخُضرَة، قالَ مُحدثّي: إنّها الثّورَة، التّي زلزلت البلادَ، وهولّت رأْس العِبادْ، وأجنّت رئِيسَ الدّولة، وقال بمَا لا يُصدّقه الصِبْيَة. وقلت: مَن قام بهذه القَوْمة؟ قيلَ: الشّعب المسْكينُ، هبّ ضدّ المُفسدِين، يُطالِب بالإصلاح، ويَستَغيثُ بأَهلِ الفَلاحِ، ويُنادي أَصْحاب الضّمير، لِماذا تَتْرُكونا لهذا المصير؟ لَكنّ العَسْكر أمعن في القَتلِ، وأَثقلَ عَليْه الحَمْل.
طِرتُ بعيدا نحْوَ "بَصْرَى الشام"، وَإذا هيَ حُطامٌ فوْق حُطامٌ، والجُثثُ رُكامٌ فوْق رُكامٌ، والدّم يَسيلُ علَى الطّريق، والكلّ يَصرخُ وكأنّه فِي حَريق، أوْ في سَفينَة، تمسّك فيها غَرِيق بغَريقٍ. رَأيتُ ما يَشيبُ لَه الصّبيان ويَشيخُ لهُ الوِلدان. رَأيْت الناسَ يُعذّبون، وبِالأسْلاك همْ مُقيّدون، عَرايَا، ومِن شَوارِبهم يُنتَفون.. (والشَبيّحة) فوْق السّطوح يَقتلُون، وبيْن الشّعب لا يُميّزون، ولِلْمِلّة والدّين لا يَحفظُون، وكأن قُلوبُهم منْ حَديدٍ، وأَكْبادُهم مِنْ صَديدٍ.
وحَوّمْتُ فوْق "طَرْطُوسْ" وكأنّني فِي كَابُوس، القتْل وَالذّبح للنّفوس. رأيت الكلّ في حِدادٍ، علَى أحْوال البِلاد حَزينَة علَى العباد. وأَحسسْت باكتِئاب شَديدٍ، وَكأن نفْسِي قُيدت بِالحَديد. وكادَ قلبْي يَتفطّر على أهْل الكتَاب، ولَعنتُ فِي جَهْري الحَاكمَ الكذّاب.
وَطوّفتُ على "ديرِ الزّور"، التّي تحوّلتْ إلى قُبُور، وأصبَحَ النّاسُ في تَرويعٍ، وغمٍ، وهمٍّ بَديع. والنظّامُ يتّهم الثّوارَ بالخيّانة، ويَدفعُ المالَ إلى البِطانَة، يتّهم الأشرافَ بالزّور، وهوَ على العَالَم يلّف ويدُور، ويُماطلُ على دُخول المراقبين، ويُعاملُ العَرب كَحمقَى وَمُغّفلِين. ورَأيْت مَا لَمْ يَحدثْ في كلّ الأمْصارِ، لِليمين يَنتَمي أمْ إلى اليسَار. وَتساءلْت بيْني وبيْن عقْلي، أيُعقَل أنْ يَقتُل حاكِم شعبَه بِهذه الوحْشيّة؟؟ أمْ يَعتقِد أنّه في عُهودِ الهّمجَية؟ هلْ فقَدْ لبّهُ وعَقلَه؟ أمْ غابَ عنْه ضَميرَه وَصوابَه؟ كَيفَ يُحاصر النّساءَ والأطفالَ؟ ومَاذا ستقُولُ عنْه الأجَيال؟ لقدْ أَفْنانَا مِنْ الأرْضِ حَامِينا! أمْ ساقَنا كَالأَغنَام راعينا؟
قَتلَ الرّجالَ ولمْ يَسْلم الرّضّع، وكَانوا كلّهُم لَهُ تُبّع. وساندَتْه دُولٌ لِلحُكم الرّشيد، تَنتَمي ولِلْمنتظَم الدّولي تَنْحني. هَجّر مِنْ قوْمه المَلايين، ولمْ يسْتثْن العامِلين والعَاطِلين. أَطلق (الشّبيحَة) والعسَاكرْ، لتعْذيبِ وقَتلِ الحَرائِر. وفِي كُلّ حيّ نَشَر الدّبابات، واختَرعَ المُضحِك من الحِكَايات، حتّى سَخِرَت منْه الحيَوانَات.. والجَامعَة في شَتَات، وكأنّها في سُباتٍ، فهِي غَارِقة في الاجتِماعَات، والنّاسُ تَموتُ في جَماعَات. الشّيوخُ للشّباب مُساندون، والنّساء بأبنَائِهم مُفتخِرون، والأطفالُ مُقسِمون، بِربّ الكعْبة أنّهم لَمنْتصرون. والثّوار يُواجِهون الرّصاص عارِي الصُدور، ونُفوسُهم تَغْلي كالقّدور، مُصمّمون، على نجاحِ الثّورة، تارِكُون الطّغاة، لِلْعالم عِبرةْ.. لِلْميادِين مُقتحمون، ولِلشعَارات ولِلأغَاني مُردّدون، وبِالحُكم الفاسِد مُندّدون، ولِسُقوطِ النظّام مُبتهِجون. وسَمعت صُراخ الأطفَال عَالٍ في السّماء:
أيْن الحكَام والرّؤساء؟
أيْن العلماء والشعراء؟
أين المُفكرين والأدَباء؟
أيْن الكتّاب، وأصحاب القلم والخطباء؟
أين الأمراء، والسفراء والكرماء؟
أين الشرفاء، ورجال النخوة والفقهاء؟
أين أصحاب الهمة والعظمة النّجباء؟
ولمّا لم يَسْمعوا ردّا في السّاحة، عَلِموا أنّ المَصالحَ تُباعُ وتُشتَرى بين السّاسة، في أسْواق النّخاسَة.

بقلم:معمر بختاوي

ليست هناك تعليقات:

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *